السبت، 26 نوفمبر 2016

Unknown

تقنية كريسبر_كاس

من أهمّ الثورات العلميّة في البيولوجيا والّتي ذاع صيتها هذه السنة ابتكار تقنية جديدة ودقيقة إلى درجة كبيرة في هندسة الجينات أصبحت حديث الأوساط العلميّة والطبيّة والأخلاقية أيضاً، ومن المهمّ على كلّ متخصّصٍ أوّ مطّلع أو مهتمّ أن يعرف عنها وعن كيفيّة عملها #لِأنَّهُ_لِمَ_لا؟ ولكن، تبسيطاً لآليّتها المعقّدة سأقوم بإعطاء وصف عام لها ولتاريخها وكيفيّة عملها...نسيت أن أخبركم أنّني أتحدّث عن تقنية #كريسبر_كاس9#CRISPRCas9.
هذه التقنية ليست وليدة هذا العام، بل هي حصيلة بحث وتطوير شقّ طريقه في مطلع الثمانينات من القرن الماضي بعدما استطاع الباحثون استبدال قطع جينيّة في خلايا فطر الخميرة وكانت هذه باكورة التعديل الوراثيّ في الخلايا حقيقيّة النوى، ثمّ ازدهرت أبحاث الاستبدال والتعديل الجينيّ بعد ذلك متزامنة مع اكتشاف تكرارات منظّمة من الـDNA في الباكتيريا سنة 1987 من قبل فريق يابانيّ، وسُمّيت هذه التكرارات بـ"Clustered Regularly InterSpaced Palindromic Repeats" وتعرف اختصاراً بـCRISPR. واستمرّت الأبحاث على قدمٍ وساق في محاولة لإيجاد وسائل يمكن من خلالها استهداف سلاسل DNA محدّدة وتعديلها، بدءًا باستخدام الإنزيمات القاطعة للـDNA المحتوية على قطع بروتينيّة مستهدفة للـDNA تُسمّى "Zinc-finger Proteins"، وقد ازدهر ذلك إبان عقد التسعينات حتّى مطلع الألفيّة الثالثة لينتقل البحث بعدها إلى دراسة نوع جديد من الإنزيمات القاطعة للـDNA لها خواص مميّزة تُساعد على استهداف قطع جينيّة محدّدة بحسب الرّغبة، واسم هذه التقنيّة " Transcription activator-like effector nuclease" أو "TALENs" (تالينات).
عوداً على الحديث عن كريسبر، إذ ظهر الحديث عنه للسطح مجدّداً سنة 2005 بعدما اكتشف العلماء أنّ هناك تسلسلات من الـDNA تتخلّل قطع كريسبر (وهي تسلسلات DNA أيضاً) أصلها فيروسيّ. ثمّ -في نفس العام- تمّ اكتشاف بروتين تنتجه الخلايا الباكتيريّة يرتبط بذات القطع الجينيّة الفيروسيّة المتخلّلة لكريسبر، وسُمّيت هذه البروتينات "البروتينات المُرتبطة بكريسبر" (CRISPR Associated) وتُعرف اختصاراً بـ"Cas". ووجد العُلماء أنّ نظام "كريسبر-كاس" (CRISPR-Cas) هو نظام مناعيّ في الباكتيريا يقوم باستهداف الجينوم الفايروسيّ عندما يصيب الباكتيريا، ثمّ يقوم بتقطيعه حتّى لا يتسنّى للفايروس التكاثر داخل الخليّة الباكتيريّة. (حاسس حالي ضيّعتكم هون، ما علينا...كملوا!)
في عام 2008، بدأ العلماء في فهم آليّة عمل كريسبر-كاس حيث يحتوي البروتين على شرائط من الـRNA المُتمّمة للـDNA أو الـRNA الفايروسيّ فترتبط شرائط الـRNA هذه بتسلسل الحمض النوويّ المُستهدف (الفايروس يعني) ويقوم البروتين بدوره بقطع الحمض النوويّ في هذا المكان. ثمّ تواردت الدراسات على اكتشاف عدّة أنواع من نظام كريسبر-كاس وفهم تركيبته الجزيئيّة وأنواع الـRNA المرتبطة به. وفي سنة 2011 تمّ اكتشاف أحد أنواع البروتين كاس وهو "كاس9" (Cas9) والّذي وُجد أنّه يحتوي على تسلسلين من الـRNA تجعلان فعاليّة هذا البروتين في استهداف الـDNA وقطعه في أماكن محدّدة عالية جدّاً.
خلال السنوات الخمس الأخيرة، استطاعت "جينيفر دوودنا" (Jennifer Doudna) من جامعة كاليفورنيا بيركلي مع زمليتها "إيمانيويل شاربنتييه" (Emmanuelle Charpentier) تعديل نظام كريسبر-كاس9 بحيث يمكن استخدامه لاستهداف أي موقع على شريط الـDNA داخل الخليّة الحيّة من أجل قصّها (كالمقصّ) لتعطيل جين معيّن، أو لإقحام جين مُعدّل أو سليم مكان جين مفطور (خربان يعني) لعلاج الكائن الحيّ، وساعد على تطويرها بعد ذلك "فينج جانج" (Feng Zhang) من جامعة MIT.
يُمكن القول إنّ تطبيق تقنيّة كريسبر-كاس9 في الهندسة الوراثيّة بدأ في عام 2013، وخلال هذين العامين تمّ تعديل نباتات وباكتيريا وحيوانات مخبرية وخلايا مزروعة في المختبر، ولعلّ أكثر ما جعل هذه التكنولوجيا تحظى باهتمام كبير هذا العام هو نشر فريق بحثيّ في الصّين في أياّر/مايو ورقة في مجلّة نيتشر عن نجاحهم في تعديل جينات مُعطّلة واستبدالها بأخرى سليمة في خلايا أجنّة إنسان.
لمّا يتعدّ البحث إجراء التجربة على الأجنّة الميتة، إلّا أنّ هذا الأمر دفع العلماء حول العالم للاجتماع ومناقشة النواحي الأخلاقيّة لهذه العمليّة، خاصّة أنّ تكتولوجيا كريسبر-كاس9 -والّتي لا زالت تخضع للتطوير والتعديل وهي على مشارف مستقبل قريب من النجاح منقطع النّظير- قد تصبح قادرة ليس فقط على تعديل الجينات المفطورة، بل على إعادة تصميم الجينوم بالكامل.
الفوائد والمزايا الّتي ستجلبها هذه التقنية جمّة، وهي بطبيعة الحال سلاح ذو حدّين. من المُبكّر الحديث عن قبول أو رفض أو حتى تنظيم استخدامها على مستوى المجتمعات، لكن حان الوقت أن يمسك العلماء زمام الأمور لتنظيم هذه التكنولوجيا حتّى لا تخرج عن هدفها السامي.
من المهمّ أن تعرفوا عن هذه التكنولوجيا الحديثة على الرّغم من تعقيدها، ولكن لو خرجتم بمعرفة ماهيّتها وتطبيقاتها لكفاكم ذلك. واعلموا أنّ ما يدفعني لنشر العلم هو أنتم أصدقائي #الفلامثة، فلا تبخلوا أنتم بمساعدتي في نشر الخير والنفع الغير.